فخر الدين الرازي
186
تفسير الرازي
المسألة الرابعة : ظاهر قوله : * ( أو أشد خشية ) * يوهم الشك ، وذلك على علام الغيوب محال . وفيه وجوه من التأويل : الأول : المراد منه الابهام على المخاطب ، بمعنى أنهم على إحدى الصفتين من المساواة والشدة ، وذلك لأن كل خوفين فأحدهما بالنسبة إلى الآخر إما أن يكون أنقص أو مساويا أو أزيد فبين تعالى بهذه الآية أن خوفهم من الناس ليس أنقص من خوفهم من الله ، بل بقي إما أن يكون مساويا أو أزيد ، فهذا لا يوجب كونه تعالى شاكا فيه ، بل يوجب إبقاء الابهام في هذين القسمين على المخاطب . الثاني : أن يكون " أو " بمعنى الواو ، والتقدير : يخشونهم كخشية الله وأشد خشية ، وليس بين هذين القسمين منافاة ، لأن من هو أشد خشية فمعه من الخشية مثل خشيته من الله وزيادة . الثالث : أن هذا نظير قوله : * ( وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون ) * ( الصافات : 147 ) يعني أن من يبصرهم يقول هذا الكلام ، فكذا ههنا والله أعلم . ثم قال تعالى : * ( وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال ) * . واعلم أن هؤلاء القائلين إن كانوا مؤمنين فهم إنما قالوا ذلك لا اعتراضا على الله ، لكن جزعا من الموت وحبا للحياة ، وإن كانوا منافقين فمعلوم أنهم كانوا منكرين لكون الرب تعالى كاتبا للقتال عليهم ، فقالوا ذلك على معنى أنه تعالى كتب القتال عليهم في زعم الرسول عليه الصلاة والسلام وفي دعواه ، ثم قالوا : * ( لولا أخرتنا إلى أجل قريب ) * وهذا كالعلة لكراهتهم لايجاب القتال عليهم ، أي هلا تركتنا حتى نموت بآجالنا ، ثم إنه تعالى أجاب عن شبهتهم فقال : * ( قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ) * وإنما قلنا : إن الآخرة خير لوجود : الأول : ان نعم الدنيا قليلة ، ونعم الآخرة كثيرة . والثاني : ان نعم الدنيا منقطعة ونعم الآخرة مؤبدة . والثالث : أن نعم الدنيا مشوبة بالهموم والغموم والمكاره ، ونعم الآخرة صافية عن الكدرات . والرابع : أن نعم الدنيا مشكوكة فان أعظم الناس تنعما لا يعرف أنه كيف يكون عاقبته في اليوم الثاني ، ونعم الآخرة يقينية ، وكل هذه الوجوه تجب رجحان الآخرة على الدنيا ، إلا أن هذه الخيرية إنما تحصل للمؤمنين المتقين ، فلهذا المعنى ذكر تعالى هذا الشرط وهو قوله : * ( لمن اتقى ) * وهذا هو المراد من قوله عليه الصلاة والسلام : " الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر " . ثم قال تعالى : * ( ولا تظلمون فتيلا ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي : * ( يظلمون ) * بالياء على أنه راجع إلى المذكورين في قوله : * ( ألم ترى إلى الذين قيل ) * والباقون بالتاء على سبيل الخطاب ، ويؤيد التاء قوله : * ( قل متاع الدنيا قليل ) * فان قوله : * ( قل ) * يفيد الخطاب .